أخبار عاجلة
الرئيسية / قصص دينية / زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم / قصة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

قصة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

قصة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

 

نشأتها وسيرة حياتها:

اسمها: حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قُرط بن عدي بن كعب بن لؤي، ويجتمع نسبها مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، وأسمها يعنى الرحمة، وقيل مؤنث حفص وهو ولد الأسد، ولا يعرف لحفصه بنت عمر-رضى الله عنها-كُنيه كعادة العرب في ذلك الوقت.

ولدت عام (18 ق. هـ-604 م)، وكان مولدها قبل الهجرة بثمانية عشر عامًا.

وُلِدَتْ حفصة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، في العام الذي أعادت فيه قريش بناء الكعبة الشريفة، وهي أكبر أولاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه؛ ولها العديد من الإخوة أشهرهم أخيها من أمها وأبيها (عبد الله بن عمر)، ولهما أخ آخر اسمه (عبد الرحمن الأكبر)، وقد أشار (ابن سعد) في طبقاته إلى أخت لحفصة تسمى (فاطمة)، ولم يرد ذكرها فيأي كتاب آخر.

أبيها (عمر بن الخطاب) أحد كبار الصحابة والخليفة الثانيللمسلمين.

وكانت أُمُّها تسمى بــ (زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب)الجمحية أخت الصحابة (عثمان وعبد الله وقدامة) من بنى مظعون الجمحي، وعمةالصحابي (السائب بن عثمان بن مظعون).

 

 

حياة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها قبل النبي صلى الله عليه وسلم:

تزوَّجت حفصة -رضي الله عنها- من (خُنَيْس بن حذافة بن عدى السهمي)، وأسلما معًا في مكة،ولما أشتد أذى أهل مكة للمسلمين ،هاجر خُنَيْس منفرداً إلى الحبشة في الهجرة الأولى،وكانت مكوَّنة من اثني عشر رجلاً وأربع نسوة، وكان على رأسهم الصحابي الجليل (عثمان بن عفان)-رضى الله عنه-،وكانت معه السيدة الفاضلة (رقيَّة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ثم عاد (خُنَيْس بن حُذافة) وأخذ زوجته السيدة (حفصة) –رضي الله عنها- وهاجرا  إلى يثرب، وشارك(خُنَيْس بن حُذافة)مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (في غزوة بدر مع المسلمين، ولم يشارك من بني سهم غزوة بدر غيره، وأُصيب فيها بجراح أدت إلى وفاته فيما بعد.

 

زواج أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها من النبي صلى الله عليه وسلم:  

لما توفى زوجها (خُنَيْس بن حُذافة) رأف بها أبيها عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-وبحالها، ثم عرض على كلاً من (عثمان بن عفان،وأبوبكر الصديق) -رضى الله عنهما-أن يتزوج أحدهما من حفصة بنت عمر بن الخطاب-رضى الله عنها-، فأبيا، فيقول: عندما رأيت عثمان بن عفان-رضى الله عنه-قلتُ له: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر-رضى الله عنها-. قال: سأنظر في هذا الأمر. فلبثتُ لياليَ منتظراً إياه ثم لقيني، فقال لي: ما يكون لي أن أتزوج في يومي هذا. قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصديق-رضى الله عنه-، فقلتُ: إن شئتَ أنكحتُكَ حفصة ابنة عمر-رضى الله عنها-. فسكت أبو بكر الصديق، فلم يُرْجِع إليَّ بشيء، فكنت أَوْجَد عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ ومكثْتُ ليالي وأياماً، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، فقبل ووافق عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-فأنكحه إيَّاها، فقابلتُ أبو بكر-رضى الله عنه-، فقال: لعلَّك وَجَدْتَ علَيَّ حين عرضتَ علَيَّ حفصة، فلم أُرجع إليك شيئًا؟ فقلتُ: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ علَيَّ إلاَّ أنِّي كنتُ علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها لنفسه، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبلتُها لنفسي.

وتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في (شعبان 3هـ) على رأس ثلاثين شهرًا، قبل أُحُد، وكان صداقُها (400 درهم)، وكان ترتيبها الرابعة من زوجات النبي من بعد (خديجة،وسودة،وعائشة) -رضى الله عنهم أجمعين، وكان عُمرها عندما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم(20عامًا).

 

أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم:

اشتهرت وامتازت السيدة حفصة -رضي الله عنها- بالغَيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين زوجاته الأخريات، والغَيرة في المرأة هي من أحد الأمور الملازمة لطبيعتها وشخصيَّتها، خاصَّة إذا شاركها في زوجها ضرائر، فكل واحدة منهن تريد أن تستحوذ عليه استحواذًا كاملًا بحبِّها وعطفها وقربها وعملِها، وأن تكون متميزة عمن سواها؛ لذا فقد ورد عن عائشة -رضى الله عنها- : أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا منقسمين إلى حزبين؛ حزب فيه: (عائشة، وحفصة، وصفيَّة، وسودة)-رضى الله عنهم-، والآخر فيه: (أُمُّ سلمة، وباقي نساء النبي محمد صلى الله عليه وسلم)

وقد كانت حفصة -رضي الله عنها-كسائر نساء النبي تتقرَّب إليه بما يحبُّه ويرضاه، وتسأله النفقة والمال، فعن ابن عباس: أنه كان يريد أن يسأل عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-عن قول الله تعالى:{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (سورة التحريم -4) فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-لعمر بن الخطاب: فكنتُ أهابك. فقال: سلني عمَّ شئتَ، فإنَّا لم نكن نعلم ولا نعرف شيئًا عن دين محمد صلى الله عليه وسلم حتى تعلَّمْنَا. فقلتُ: أخبرني وأعلمني عن قول الله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}، فَمَنْ هما المقصودين بهذه الآية الكريمة؟ فقال: لا تسأل أحدًا أعلم بذلك منِّي، كنَّا بمكة لا يكلم أحدُنا زوجته إنما هُنَّ خادم البيت، فإذا كان له حاجة سَفَع برجليها فقضى منها حاجته، فلمَّا ذهبنا إلى المدينة تعلَّمْنَ من نساء الأنصار، فجعلْنَ يكلِّمننا ويراجعننا، وإنِّي أَمَرْتُ غلمانًا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا. فقمتُ غاضبٌ عليها بقضيب فضربتها وعاقبتها به، فقالت: يا عجبًا لك يا ابن الخطاب تريد ألاَّ تكلّم! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلِّمنه نساؤه. فخرجتُ فدخلتُ على حفصة-رضى الله عنها-، فقلتُ: يا بنيَّة، أنصتي إلىَّ، لا تكلِّمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ولا تسأليه عن شيء؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده دنانير ولا دراهم يعطيك إياها، فما يكون لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني.

آخرون يقرأون:  قصة أم المؤمنين السيدة أم حبيبة رضي الله عنها

 

 

الغَيْرة في حياة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

أولًا: غيرتها من مارية القبطيَّة -رضي الله عنها: –

في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ …} (التحريم-1)، قال الطبري: اختلف أهل العلم في الحلال الذي أحلّه الله جلَّ ثناؤه لرسوله الكريم، فحرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الحلال على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال البعض: كان يقصد بذلك مارية القبطيَّة مملوكته، حَرَّمَهَا على نفسه بيمين أنه لا يقربها لكي يطلب بذلك رضا زوجته حفصة بنت عمر؛ لأنها غارت بخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في يومها وفى فراشها.

ثانيًا: غيرتها من السيدة صفيَّة رضي الله عنها:

روى أنس بن مالك أن: صفيَّة بلغها أن حفصة قالت: صفيَّة بنت يهودي. فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: “مَا يُبْكِيَكِ؟”، فاشتكت له وقالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي. فقال النبي: “إِنَّكِ لابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟”  ثم قال صلى الله عليه وسلم لحفصة: “اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ”.

ثالثًا: غيرتها من السيدة سودة رضي الله عنها:

عن رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سودة اليمانيَّة ذهبت إلى عائشةَ تزورها وعندها حفصة بنت عمر-رضى الله عنها-، فأتت سودة في شكل جميل وفي هيئة حسنة، عليها خمار وبُرد من دروع اليمن، وعليها نقطتان مثل العدستين من صبر وزعفران إلى موقها -قالت عليلة: وأدركتُ النساءَ يتزيَّنَّ به-فقالت حفصة مستهزئة لعائشة: يا أم المؤمنين اتقي! يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه بيننا تبرق. فقالت أُمُّ المؤمنين: اتَّقِ الله يا حفصة. فقالت: لأفسدَنَّ عليها زينتها. قالت: ما تَقُلْنَ؟ وكان في أذنها ثِقَلٌ، قالت لها حفصة: يا سودة، خرج الأعور لتخيفها وتفزعها. قالت: نعم! ففزعت فزعًا شديدًا، فقامت وانتفضت من مكانها، قالت: أين أختبئ؟ قالت: عليكِ بالخيمة -خيمة لهم من سعف يختبئون فيها-فتركتهم وقامت لتختبئ فيها، وكانت هذه الخيمة مليئة بالقذارة ونسيج العنكبوت، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهما يضحكان ولا تستطيع واحدة منهما أن تتكلَّم من الضحك، فقال: “مَاذَا الضَّحِكُ؟”  ثلاث مرَّات، فأشارا بأيديهما إلى الخيمة، فذهب صلى الله عليه وسلم إلى الخيمة ليرى ما بها، فإذ بسودة ترعد خائفة، فقال لها:”يَا سَوْدَةُ، مَا لَكِ؟”  قالت: يا رسول الله، خرج الأعور. قال: “مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن، مَا خَرَجَ وَلَيَخْرُجن”، فأخرجها، وجعل ينفض الغبار عنها ونسيج العنكبوت.

رابعًا: غيرتها من السيدة عائشة رضي الله عنها:

عن عائشة -رضي الله عنها-أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى السفر أقرع بين زوجاته، فخرجت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل ذهب مع عائشة يتحدَّث معها، فقالت حفصة بذكائها إلى عائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك؛ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى. فركبتْ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعير عائشة وعليه حفصة فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلتْ رجليها بين الإِذْخر وتقول: يا ربِّ سلِّط علَيَّ عقربًا أو حيَّة تلدغني، ولا أستطيعُ أن أتفوه له بشيء.

 

خامسًا: غيرة أمهات المؤمنين من أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحِبُّ الحَلوى والعَسل، وكان إذا خرج من صلاة العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر-رضى الله عنها-فاحتبس أكثر مما كان يحتبس، فَغرْت، فسألتُ عن سبب احتباسه، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة. فقلتُ: أما والله لنحتالَنَّ له. فقلتُ لسودة بنت زَمْعَةَ: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغَافير؟ فإنه سيقول لك: “لاَ”. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: “سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ”. فقولي: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له ذلك يا صفية. قالت: تقول سودة: والله ما هو إلاَّ أن قام على الباب، فأردتُ أن أباديه بما أمرتِنِي فرقًا منكِ. فلمَّا دنا منها، قالت له سودة: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال”: لاَ”. قالت: فما هذه الريح التي أجد منكَ؟ قال صلى الله عليه وسلم: “سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ “. قالت: جَرَسَت نَحلُه العرف. فلمَّا ذهب إلي عائشة قالت مثلما قالت سودة، فلمَّا ذهب إلى صفية قالت له مثل ما قالوا، فلمَّا ذهب إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: “لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ”. قالت: تقول سودة وهي تشعر بالأسى لرسول الله: والله لقد حَرَمْنَاه. قلتُ لها: اسكتي ولا تتفوهي بشيء.

آخرون يقرأون:  قصة أم المؤمنين السيدة صفية رضي الله عنها وأرضاها

وعن أنس بن مالك-رضى الله عنه-قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند بعض زوجاته فإذ بصفحة طعام أُرسلت إليه من إحدى زوجاته، فضربَتِ التي هو عليه الصلاة والسلام في بيتها يد الخادم لتسقط الصفحة، فسقطَت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: “غَارَتْ أُمُّكُمْ”. ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصَحْفَة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفَة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرَتْ.

 

طلاقها من النبي صلى الله عليه وسلم ورجوعها إليه:

ذكر الشوكانيفي فتح القدير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أصاب جاريته (مارية القبطية) -رضى الله عنها-أم ولده (إبراهيم)، في غرفة زوجته حفصة، فغضبت السيدة حفصة -رضى الله عنها-، وقالت: يا رسول الله لقد جئت إلىَّ بشيء ما جئته إلى أحد من أزواجك، في يومي، وفى دوري، وعلى فراشي. فقال صلى الله عليه وسلم: ” ألا تَرْضَيْنَ أَنْ أحَرَّمَهَا فَلا أقْرّبُهَا أَبَدًا؟”، فقالت حفصة: بلى، (فحرَّمها النبي على نفسه)، وقال لها صلى الله عليه وسلم:”لاَ تذكري ذَلِكَ لأَحَدٍ”، فذكرته لعائشة، فكان ذلك سببًا لتطليق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لها، فطَلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم السيدة حفصة -رضي الله عنها-فلمَّا علم عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-بطلاقها، وضع على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد اليوم.

فعن قيس بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلَّق حفصة بنت عمر تطليقة واحدة، فأتى إليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون فدخلا عليها، فبكت وقالت: والله ما طلَّقني عن سبع.

ثم ردّها النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن أتاه جبريل عليه السلام فقال له: “رَاجِعْ حَفْصَةَ؛ فَإِنّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَتُكَ في الْجَنّةِ ” وقد نزل الوحي يروى تلك القصة، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ….} (التحريم-1: 4)، فكفّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن يمينه، وأصاب مارية.

 

قصة الإنفاق:

عن جابر -رضى الله عنه-قال: أقبل أبوبكر الصديق إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه، والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أُذِنَ لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله زوجاته، كانوا يشتكون للنبي صلى الله عليه وسلم من ضيق النفقة، وتكلمن معه في ذلك وهو صامت، فقال عمر: لأكلمَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك. فقال عمر وهو يريد إضحاك النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر-سألتني النفقة آنفًا، فوجأتُ عنقها. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظهر ناجذه، وقال: “هُنَّ حَوْلِي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ”. فقام أبو بكر-رضى الله عنه- إلى عائشة ليضربها، وقام عمر -رضى الله عنه- إلى حفصة، وكلًا منهما يقول لابنته: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله سبحانه وتعالى الخيار لهن، فبدأ بعائشة، فقال: “إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ”. قالت: وما هو؟ فنزل الوحي بتخيير نساء النبيصلى الله عليه وسلم؛ فتلا عليها آيات الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا …} (الأحزاب-28) الآية؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: أفيكَ أستأمر أبويَّ؟! بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألاَّ تقول لزوجة من زوجاتك ما اخترتُ. فقال: “إِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لاَ تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِ إِلاَّ أَخْبَرْتُهَا”، فاخترن جميعهن الله ورسوله.

 

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها:

عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علَيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند زوجته حفصة-رضى الله عنها-، فقال لي: “ألا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟”.

آخرون يقرأون:  قصة أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها

وفي هذا الحديث إشارة بينة إلى أن أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها-كانت متعلمة للكتابة، وهو أمر نادر في هذه الفترة وفى هذا الزمن بين النساء، ومما ساعد السيدة حفصة -رضي الله عنها-على توفر العلم عندها، هو وجودها في هذا المحضن التربوي بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في المكان الذي تتصل فيه السماء بالأرض، وتتالي نزول الوحي بالرسالة النبوية الخاتمة على نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.

ونتيجة لذلك لُقِّبت السيدة حفصة -رضي الله عنها-(بحارسة القرآن الكريم)، وكانت إحدى أهمِّ الفقيهات في العصر الأوَّل في بداية الإسلام، وكانت تُسأل كثيرًا فتجيب رضي الله عنها وأرضاها.

 

حياة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها ومواقفها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:  

بعد أن توفي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لزمت أم المؤمنين حفصة بنت عمر-رضي الله عنها-بيتها، ولم تخرج منه إلاَّ لحاجة، وكانت يدًا واحدة هي وعائشة -رضي الله عنهما-، وحينماأرادت عائشة أن تخرج إلى البصرة إثر الفتنة التي ضربت المسلمين بعد مقتل عثمان بن عفان-رضى الله عنه-، فهَّمت حفصة -رضي الله عنها-أن تخرج معها، إلا أن أخاها (عبد الله بن عمر) -رضى الله عنه-، حال بينها وبين الخروج.  وقد كانت -رضي الله عنها-يعرف عنها البلاغة والفصاحة، فقد قالت في مرض أبيها عمر بن الخطاب:” يا أبتاه ما يحزنك؟! وفادتك على ربٍّ رحيم، ولا تبعة لأحد عندك، ومعي بشارةً لك لا أذيع السرَّ مرَّتين، ونعم الشفيع لك العدل، لم تَخْفَ على الله خشنة عيشتك، وعفاف نهمتك، وأخذك بأكظام المشركين والمفسدين في الأرض”.

 

مشاركتها في الأحداث:

لقد أورد ابن الجوزي في أحداث السنة السادسة والثلاثين؛ أن طلحة والزبير ذهبوا إلى حفصة، فقالت: رأيي كرأي عائشة. حتى إذا لم يبقَ إلاَّ الخروج، قالوا: كيف نستقلُّ وليس معنا مال نجهز به الناس؟ فقال (يعلى بن أمية): معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها. فقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهَّزوا بها، وذهبوا ليأخذوا بثأر عثمان بن عفان -رضى الله عنه-.

فنادى منادي: بأن أمَّ المؤمنين وطلحة والزبير ذاهبون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ولم يكن عنده مركب أو جهاز؛ فهذا جهاز وهذه نفقة. فجاء إليهم ستمائة رجل على ستمائة ناقة فحُمِلوا، غير مَنْ كان له مركب، فكان عددهم ألفًا، وتجهَّزوا بالمال، ونادوا بالرحيل، واستقلُّوا ذاهبين.

وكانت حفصة -رضى الله عنه-تريد الخروج، فجاء إليها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت، وأرسلت إلى عائشة تقول: إن عبد الله حال بيني وبين الخروج. فقالت: يغفر الله لعبد الله.

أحاديث روتها أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

لقد روت أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنها-أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبيها عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-(ستِّين حديثًا)، منها ثلاثة متفق عليها من البخاري ومسلم، وانفرد مسلم بستَّة أحاديث، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين؛(كأخيها عبد الله، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن صفوان، وحارثة بن وهب، والمطلب بن أبي وداعة، وأمُّ مبشر الأنصارية، والمسيِّب بن رافع… وغيرهم)، وأورد (بقيّ بن مخلد) في مسنده ستُّون حديثًا عنها.

ومن أهمِّ ما تُرِكَ عندها صحائف القرآن الكريم، التي تمت كتابتها في خلافة أبي بكر الصديق-رضى الله عنه-بمشورة من عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-، وقام بكتابتها (زيد بن ثابت)، فظلت عند أبي بكر الصديق حتى وفاته، ثم صارت عند عمر، وبعد وفاة عمر، صار ت هذه الصحائف في حوزة حفصة، ثم اختلف الناس في زمان عثمان بن عفان -رضى الله عنه-؛ لاختلاف القراءات حول أيها أصح، فأرسل عثمان إلى حفصة يطلب منها صحائف القرآن، وقد اعتمد على تلك الصحائف في توحيد مصحف للأمصار الإسلامية.

 

وفاة أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنها

تُوُفِّيَتْ حفصة-رضي الله عنها-في (شعبان سنة 45هـ بالمدينة)، على أصح الروايات، فقيل: كان وفاتها سنة سبع وعشرين للهجرة في خلافة عثمان بن عفان-رضى الله عنه-. وإنما جاء اللَّبس؛ لأنه قيل: إنها تُوُفِّيَتْ في العام الذي فُتحت فيه إفريقيَّة، وقد بدأ فتحها في عهد عثمان، ثم تَمَّ الفتح عام 45هـ، والراجح أنها تُوُفِّيت عام 45هـ؛ لأنها أرادت أن تخرج مع عائشة -رضي الله عنها-إلى البصرة بعد مقتل عثمان -رضى الله عنه-، وكان ذلك تقريبًا عام 36هـ، كما ذُكر من قبلُ، وصلى عليها (مروان بن الحكم) أمير المدينة في ذلك الحين، ودفنت في البقيع، ونزل في قبرها أخواها (عبد الله، وعاصم)، فرضي الله عنها وأرضاها.

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!