قصة الحب العذري

لقد أخبرني صاحب القصة بتفاصيلها، وكأنه يعيش كل مرحلة لحظة بلحظة، فلقد كان كافيًا ما يظهر لي على جسده بأن يخبرني بشدة تعلقه بهذه الفتاة، وأن ذلك الحب قد غرس جذوره في قلبه، ورغم كل هذه الأحداث إلا إنه ظل شامخًا كما هو المعهود منه، أخذت الإذن منه بعدما حكى لي التفاصيل أن أقوم بكتابة ما أخبرني به، فظل صامتًا لبعض الوقت حتى إنني ظننت أنه سيرفض؛ إلا أنه قال لي انطلق.

وها أنا أحكيها لكم كما قصها علي، ولكن بأسلوبي، وكي أتجنب الزيادات التي قد تمليها علي رغبتي، قمت بإرسالها إليه بعدما انتهيت من كتابتها؛ ليعطيني الموافقة الأخيرة، وبالفعل أكد على ما كتبه، وبهذا ننطلق في سرد القصة.

يقول صاحب القصة: لقد خرجت من بيئة هادئة ومتواضعة؛ حتى أنها تكاد أن تكون خالية من مظاهر العمران، وقد كان فكري وذهني عذبًا مثل عذوبة نسيم تلك البيئة الذي لا يتعب ولا يكل، صافيًا مثل صفائها، ولدت في أسرة طيبة الأصل، حسنة المنبت، فنشأت على مبادئ ديننا الحنيف، وتأصلت في عادات العرب الأصيلة.

وما هي إلا أيام قليلة، وأتجه نحو مسقط، عاصمة هذا الوطن المبارك، لم هذه المرة الأولى التي أذهب إلى مسقط، لكنها كانت المرة الأولى التي أتخذها سكنًا دائمًا لي، فلقد أنهيت بفضل الله مرحلة الثانوية، وقد حان وقت دراستي للجامعة، وقد رزقني الله بأن أتم دراستي، وأذكر أنني دائمًا كنت عند حسن ظن أبي وأمي.

بدأ العام الدارسي، وبدأ ذلك القروي البسيط كل صباح يحمل كتابه ويتوجه للجامعة، ويتأمل كل ما يحيط به بشغف ويكتشف أمورًا جديدة بالنسبة له، السيارات .. البنايات .. الناس .. الشوارع .. لم يأبه كثيرًا لكل هذا التغيير من حوله فيصل إلى مكان إلقاء المحاضرة وهو شارد ومليء بالأمل.

كانت المحاضرات مليئة بالفتيات، وكل منهن لها شكل ولون مختلف، فترى الكحل الأزرق والأسود، والكعب المنخفض والطويل، والشفاه التي تراكم عليها شتى الألوان والأصبغة، وشفاه بلون الطبيعة، فكنت أسأل نفسي مبتسمًا، من أين تحصل هؤلاء الفتيات على كل هذا الوقت لتفعل كل هذا في الصباح الباكر؟ وأنا ليس لدي وقت للمسات البسيطة للشباب؟.

لم تكن هؤلاء الفتيات ليستحوذن على اهتمامي ولا تؤثر في قلبي، فقد كان الأمر عاديًا بالنسبة لي، ومرت الأيام وانتهيت من عامي الأول بالجامعة.

وبدأ العام الثاني، وأنا أتصف بالاتزان في جميع تصرفاتي وأفعالي، فلقد علمت كيفية التعامل مع كل ما هو جديد والحمد لله، حتى أنه كان يشار إلي بالبنان.

وفي إحدى الليالي الباردة من عامي الثاني، كنت أجلس على حاسوبي في إحدى مختبرات الكلية، وأنا أحدق بشاشته وأنا غارق في عالم الشبكة العنكبوتية، وكعادتي دائمًا كنت أنهي جلستي بأن أمر على بريدي الإلكتروني، فقمت بفتحه؛ لكنني فوجئت ببريد ليس مألوفًا بالنسبة لي، نظرت إليه قليلًا ثم قمت بفتحه.

فوجدت أن مرسله مجول ومن الواضح أنها فتاة، فلقد كان البريد مرفقًا به ملف ميكروسوفت ورد، ومكتوب في موضوع البريد (هذه هي الدرجات، اطلعي على درجتك، ومن أثم أرسلي لبقية الزملاء ليطلعن على درجاتهن)
اندهشت وأنا أبتسم أثناء قرائتي لهذا البريد؛ لكنني لم أهتم لفتح الملف المرفق، فلقد خمنت أنها مجرد مزحة ليس إلا، ثم قمت بإغلاق  بريدي وحاسوبي، وانطلقت عائدًا إلى مقر سكني.

وفي صباح يوم الغد، أشرقت شمس يوم جديد، وحملت كتبي وانطلقت نحو كليتي، وقد تناسيت الأمر تمامًا، وبعد وصولي إلى الكلية كان لا يزال هناك متسع من الوقت، فاتجهت صوب حاسوبي وفتحت بريدي، وإذ بي أجد بريدًا آخر من نفس الفتاة التي أرسلت البريد بالأمس، فقمت بفتحة فوجدتها قد أرسلت لي اعتذارًا وتقول بأنني لست الشخص الذي تقصده، وأنها أرسلت لي الرسالة عن طريق الخطأ، وترجوني أن أقوم بحذف المحتوى ونسيان تلك الرسائل.
لقد نسيت إخباركم بشيء، وهو أنني مليء بالفكاهة والشغب، فقررت ألا أقوم بالرد عليها الآن، وسأنتظر حتى ينتهي الدوام، ويكون الجو خاليًا، وتزول هموم الدراسة عني، عندها سأفكر بماذا سأرد عليها.

في نهاية اليوم، قمت بفتح الملف الذي كان مرفقًا مع البريد ليلة أمس، فوجدت فيه أسماءً لفتيات، وأمام كل منهن الدرجة التي حصلن عليها، توقفت بعدها شاردًا ماذا أكتب وبماذا أرد عليها، فلم أصل إلى شيء، وبعد تفكير عميق نفس الأمر لم أصل إلى شيء، فقمت بكتابة ( من تكونين؟)، ومن ثم أرسلت الرسالة وقمت بإغلاق الجهاز.
مرت أيام عديدة ولم يصلني أي رد منها، هنا بدأ الحس الفكاهي وشغبي يسيطران على الموقف، فكنت كلما سنحت لي الفرصة، أكتب لها ما يحضر في عقلي وما حدث في يومي، وكما أنني كنت جيدًا في نظم الشعر، فأكتب ما تجود به قريحتي وأرسله لها، وأحيانًا أتحفها بتغريدات حياتي، ولك هذا ولم أجد أي رد من جهتها، أذنًا صماء لا تسمع، ولم تجب بأي شيء.

آخرون يقرأون:  قصة عطر الحب - أجازة من حياتي

 

كنت كلما زاد تجاهلها لي، ازاد التصميم عندي أكثر، فقد كنت أريد معرفة من تكون؟

فمن الواضح أن هذه الشخصية التي لديها كل هذا القدر من ضبط النفس، إنها حتمًا ليست فتاة عادية، مما زاد من فضولي وأجبرني على أن أستمر، وكان من ضمن مشاغباتي التي أرسلها لها، أقوم بأخذ أحد الأسماء من أسماء الفتيات التي أرسلتها لي سابقًا كما أخبرتكم بذلك، وأختار من بينهن فتاة درجتها منخفضة، وأقوم بكتابة خاطرتي فيها، وبأن المدرسة قامت بمساعدتها وأنها على حافة الرسوب وربما قد قامت بالغش في الاختبار، وهكذا ما تجود علي به مخيلتي أكتبه وأقوم بنسخ قصة وأرسلها لها، واستمررت على نفس المنوال كل يوم أختار فتاة أخرى وأنسج من مخيلتي قصة لها وأرسلها، فلدي قائمة طويلة بالأسماء.

 

لقد استفزها سلوكي هذا، وخاصة أن معظم الفتيات الموجودات في القائمة كن صديقاتها، فأرسلت لي بلهجة مستغربة من شدة إصراري، وهي تستنكر رسائلي، وترجوني أن أمتنع عن الإرسال وأتوقف.

بالرغم من حدة ردها وشدته إلا أنني فرحت كثيرًا به واعتبرته نصرًا كبيرًا لي، وخاصة أن ردها أتى إليها بعد ما يقرب من شهرين من إرسالي لها بخواطري وشعري والتي كانت لا تتوقف عن طرق باب عنوانها المسكين.

فهمت من ردها أنها لا تتمكن من التخلي عن عنوان بريدها الحالي، ولو كان بإمكانها لفعلت، وذلك لأن أهلها وجميع صديقاتها يعلمون معرفها الحالي، فهي في حيرة بين أمرين: إما أن تصبر على رسائلي، وإما أن تقوم بتغيير بريدها إلى معرف آخر وبالتالي لن يتمكن أهلها وصديقاتها من التواصل معها، مما زادني تفاؤلًا وإصرارًا، فقمت بالرد عليها قائلًا: (لقد بدأتي بالإرسال إلي، وحتى إن كنتي أخطأتي في الإرسال، فمن حقي أن أعرف من الذي أخطأ في بريدي، فمن تكونين؟).

انتظرت ردها لعدة أيام لكنه لم يصل، فعدت إلى إرسال خواطري وسرد يومياتي وأرسله لها مرة أخرى، ولم يزل الجدار الصامت الذي تم تدعيمه بالفولاذ والخرسانة غير قابل للاختراق من جانبها.

مرت أربعة أشهر على نفس الوضع، فأنا أرد بالإصرار وهي ترد بالتذمر، وأتذكر أنني في إحدى ردودي عليها طلبت منا أن تقوم بإضافتي على الماسنجر، وبأنني سأقوم بإخبارها ماذا أريد حينها؛ لكنها كعادتها لم تجبني.

في إحدى الليالي، وقد قاربت الساعة على الحادية والنصف، بعد شهرين من طلبي، وكنت فاتحًا لبرنامج الماسنجر، وقد ارتسم شيء من النعاس على وجهي، فإذ بي أجد الأيقونة التي تمثل معرفها، والتي كانت مظللة بالأحمر طيلة هذه الفترة قد تغيرت إلى اللون الأخضر، يا للعجب، لقد أصبت بالارتباك والذهول، ولم أعلم حينها ماذا سأفعل؟.

قامت هي ببدء المحادثة بشكل سريع وهي تستنكر إزعاجي لها وإصراري قائلة: ( خير .. ماذا تريد .. تفضل .. ماذا يجول في خاطرك .. لقد أزعجتنا وأذللتنا ؟؟)، لقد كان دخولها على حين غيرة ومباغتًا لي، فلم أكن على أتم الاستعداد لذلك؛ بل لم أكن أتوقعه أصلًا، فقمت بالرد بما تمكنت من تجميعه، واستمرت المحادثة لدقائق، وإذ بي أرى أن أيقونة معرفها عادت للون المعتاد (بلوك)، وعدت أنا من جديد إلى رسائلي.

قمت بالإلحاح عليها كثيرًا أن تدخل إلى الماسنجر مرة أخرى، واختلقت أعذارًا كثير، وبأنها باغتتني وأنا لست مستعدًا، وبأنه لا يحق لها أن تحكم على شخصيتي من مجرد محادثة، وإنني لا أرغب في إيذائها، بل وأن جميع رسائلي التي سبقت لم تحتوي على كلمة واحدة تخدش الحياء، وكنت أقوم برسم الأسلوب الذي سأرد به إن قبلت إضافتي مرة أخرى.

لقد كان إحساسي تجاهها مليئًا بتعظيم شخصيتها، والتي تختلف تمامًا عن جميع البنات التي تحيط بي، فهي لست خفيفة، وليست ساذجة، ولا تخلو من الرزانة، فلقد كانت ترتسم ملامح شخصيتها من طريقة أسلوبها، وتجاهلها لذلك الكم الهائل من رسائلي التي ملأت بها صندوقها البريدي.

وفي أحد الأيام، وفي نفس التوقيت السابق، أثناء تصفحي للإنترنت، قمت بفتح الماسنجر، فإذ بي أرى أيقونتها تعود للون الأخضر مرة أخرى، لكن هذه المرة كنت منظمًا أكثر، وأكثر ثقة من ذي قبل، فبدأت محادثتها بالسلام، ومن ثم قلت لها نعم قد أكون مخطئًا في إزعاجي لك بكثرة رسائلي، لكن هذا لا يعطيكِ الحق في أن تحكمي علي بأي صفة، ففي نهاية الأمر أنا أخطأت بكثرة رسائلي إليك، وأنتِ أخطأتِ بالإرسال لي.

فردت علي: ماذا تريد.

قلت لها: لا أريد شيئًا، ولكن دعينا نتحادث فقط.

أذكر أننا تحدثنا قرابة النصف ساعة، قمت بإيضاح وجهة نظري لها، وتقبلت ذلك، وأظهرت استغرابها الشديد لإصراري العجيب الذي أظهرته، وقمنا بإنهاء المحادثة على أمل أن تكون هناك محادثات أخرى.

قالت: ليس لدي مانع، ولكنني أدخل كل يوم خميس فقط.

آخرون يقرأون:  قصة حب واقعية - العند يقتل الحب

لقد كنت أنتظر دخولها كل ليلة خميس، فلا توجد ارتباطات يوم الخميس، ولقد أعجبني فيها نظرتها للحياة، وأسلوبها الراقي، وكلماتها التي تزنها بدقة قبل أن تخرجها، وتوجهاتها المنطقية والحكيمة، وأخلاقها الرفيعة العالية، فهي لا تضحك مثل ضحك الفتيات، ولا تسخر كسخريتهن، وإنما كانت تجبرني على الحديث في الموضوع التي تقوم بتحديده هي دون أن أشعر أو أعلم، فلقد كانت من عادتي المراوغة في الحديث دائمًا إلا مع هذه الفتاة، فلقد كنت أشعر أنها بموصفات خاصة من كوكب آخر، ولا يوجد مثلها على هذه البسيطة.
استمر تواصلنا عدة أشهر، حتى قاربنا على العام والنصف، وكل ذلك لمدة ساعة في ليالي الخميس فقط، حتى كان كلامها ملتزمًا، فلقد أخبرتني عنها الكثير، وبادلتها نفس الشيء عن نفس، فتعمقت في أسرار تربيتها، ووجدت أنها قد تربت على الأخلاق الفاضلة، فهي تترفع عن كل ما  هو وضيع ودنيء، وتجري الأخلاق في دمها.

أثناء هذه الفترة، لم نخدش الحياء الذي بيننا، ولم نتحدث بكلمة فسق واحدة، وقد بدأت بحبها، وشعرت أنها أيضًا تبادلني نفس الشعور، ولكن لم يبح أي منا بشيء للآخر، وبقي تواصلنا مليئًا بالأمل والرجاء، والإعجاب والشغف.

نسيت أن أخبركم، بأنها من أسرة مرموقة، وأنه يوجد بيننا فارق مادي كبير بمعنى الكلمة؛ إلا أن نظرتي لها لم تكن لها علاقة بالمادة إطلاقًا، ولم تعاملني بترفع بعد علمها بذلك الفارق الكبير بيننا.

شاءت الأقدار، أن تنتقل أمي إلى رحمة الله، وتصعد روحها الطاهرة إلى بارئها، رحمها الله، فوفاتها كانت بالنسبة لي صدمة كبيرة، فلقد كانت خير معين لي، لقد اهتز بنياني وتكدّر حالي، وكان وجود هذه الفتاة معي كل خميس، يفرج كربتي، ويؤنس وحشتي، ويخفف لوعتي، مما زادني تعلقًأ بها وإعجابًأ بشخصيتها.

ظللنا متواصلين قرابة العام ونصف العام، وكان الحب بيننا متبادل؛ لكنه في نفس الوقت مستتر، فلا يظهر بيننا إلا الاحترام المتبادل بيننا.

وفي أحد الأيام قمت بطلب رقم هاتفها منها، فرفضت بشدة وأبت، بل جفتني وسخطت علي، وبالرغم من أنني جزعت من جفائها وسخطها؛ إلان أن لذلك جمالًا عذريًا، فما هي إلا أيام قليلة، وقمت بتطييب خاطرها، وعدنا كما كنا.
لم أخبركم بأن تلك الفتاة، ليست عمانية، بل هي من إحدى البلاد المجاورة، فلقد أحببت بلادها بعد أن قمت بحبها هي، فقد كنت أسافر كل فترة إلى بلادها لأستشعر قربها فقط، وكنت أعلمها كلما نويت الذهاب إلى بلادها، وفي أحد الأيام قلت لها هذا رقمي في بلدك، وأتمنى أن تسمعيني صوتك عندما أكون هناك.
وفي أحد المرات وأنا في بلادها، إذ بي أرى رقمًا غريبًا يتصل بي، فشعرت بالرهبة والرغبة، فكان لدي أمل ورغبة في أن يكون المتصل هي، ولدري هبة مما سيحل علي بسبب هذا الاتصال، فقمت بالرد وألقيت السلام، فردت وكأن أحدًا قام بصب ماء بارد فوق رأسي، ثم قلت فلانة، فضحكت، وعندما أخبركم بأنها ضحكت، فهي ليست كضحكات الفتيات؛ بل هي ضحكة خفيفة يملأها الاتزان والحياء سمعتها بالكاد، لكم أن تتخيلوا أن يقوم بالاتصال بك من أحببته وبعد عام ونصف من التواصل، دون أن تراه أو تسمعه، لقد تكلمنا طويلًا، وقبل أن تغلق الخط قال: فلان لقد وثقت بك؛ لكن إياك أن تخون تلك الثقة، فهذا ليس رقمي، ولا تتصل به مهما يكن، وإن قمت بالإرسال إليه أو اتصلت عليه، فأعدك أنني لست ممن يخاف.

فأجبتها بأنني لو لم أكن بتلك الثقة لما وثقت بي، وأنهينا المكالمة.

 

لقد انتابني شعور جميل في ذلك اليوم، فقد شعرت بحياة جديدة مملوءة بالأمل والتفاؤل والتطلع إلى مستقبل جميل، واستمررنا بالتواصل والإعجاب ببعضنا، وبعد فترة سمحت لي بأن أرسل لها وأتصل عليها، وقد كانت تقوم بالاتصال بي كلما زرت بلدها ودوليًا.

ما أرغب في قوله بأن هذه الفترة عبارة عن مدرسة متكاملة بكامل طاقمها الأكاديمي، في اهتمامها وتعاملها وأسلوبها، فلم أرى أحدًا يقوم بالاهتمام بأحد مثلما كانت تهتم بي، ولم أرى أخلاقًا ولا أسلوبًا مثل التي كانت عليها أبدًا، فقد كانت أخلاقها هي أخلاق الفاضلة المتدينة.
لقد كانت لا تزال طالبة وأنا كذلك، وكنت إذا حاولت أن أتصل بها من عمان لا تجيب، وبعد فترة بسيطة تقوم هي بالاتصال علي، وكل ذلك من أجل أن توفر علي تكلفة المكاملة، فكنت أوبخها وأسخط عليها؛ لكنها كانت تجيبني دائمًا بما يقنعني، وكذلك كنت كلما قمت بزيارة بلادها، تستقبل شريحة هاتفي التي تخص بلادها رصيدًا من رقمها، فأتضايق وأعيده لها أو أجعلها تعدني ألا تفعلها ثانية.
كنت في عامي الثالث، وبدأت تخبرني بأن أمها تصر عليها بأن تتزوج، وأنه أتى عريس ليطلب منها الزواج منها، وهي ترفض، فأجبتها بمزاح إنني لا أستطيع أن أعدك بأن أتزوج منك الآن، فأجابتني بأسلوب موزون ورزين، يا فلان الله أعلم بنيتي، لكنني لا أخبرك بذلك حتى أعرض نفسي عليك أو أحمسك على أن تتزوج مني، ولكني أخبرك فقط من باب العلم بالشيء، وكما هو المعتاد بأنني أخبرك بما يجد في حياتي، شعرت حين ذلك بأنني وقح، فقمت بتطييب خاطرها وبأنني كنت أمزح معها، وأن الله سبحانه هو الذي بيده كل الأمور.

آخرون يقرأون:  قصة فارس أحلام

كلان على علم بأننا نحب بعضنا، ولكننا لم نعلن ذلك الحب أبدًا، فلم يحدث مني أو منها أن قلنا كلمة أحبك أبدًا؛ لكنني كنت أحيانًا أسألها لو قام بخطبتك من ترضين خلقه ودينه، ومن هو بنفس مستواي، وسيجعلك تعيشين في بيت أهلهالصغير، فهل ستقبلين بالزواج منه وتتركين كل هذا الترف الذي تعيشين فيه؟ فتجيب قائلة إن كانت ستكون سعادتي معه فبالطبع أقبل.

مرت الأيام ولا يزال تواصلنا كالمعتاد، ثم انقطعت الأخبار عنها مدة أسبوع، وأنا في غاية القلق عليها، ومما تسبب في زيادة هلعي وجزعي أنها لا ترد على اتصالاتي ولا على الرسائل التي أرسلها، إلى أن أتى يوم رن هاتفي، فإذ بي أجد المتصل هو رقمها، أجبت وأنا ملهوف، فلانة أين أنتي؟ ولماذا انقطعتِ عني فجأة.

أجابت وهي تخنقها العبرات، فلقد كانت أول مرة أسمع صوتها بهذه النبرة الحزينة، صوتها حزين وضعيف ومثقل بالهموم، قالت أنا بخير وكل الأمور على ما يرام، فقط تشغلني الحياة.

أدركت حينها أن هناك أمرًا ما يقلقها، فقلت لها وما الجديد في الأمر؟

قالت: لقد أصر أهلي علي بأن أتزوج من فلان (شاب تقدم ليخطبها)، ولم أجد أي حل إلا أن أوافق على طلبهم.

حينها تلعثمت أفكاري، وتاهت مني الكلمات، وطمس بصري، وغاب عني سمعي، ولم أجد أي شيء أرد به غير أني قلت لها مبروك.

وبمجرد أن نطقت تلك الكلمة حتى أجهشت في بكاء مرير، فوالله لم أسمعها تبكي طيلة مدة تواصلنا غير هذه المرة، بكاء من القلب يدمي الفؤاد ويقطع الأوصال، ويسيل أنهار العيون، حاولت أن أهدئها فلم أستطع، ثم قامت بغلق الاتصال وأقفلت الهاتف.

حاولت أن أتصل بها مرات عديدة أو أرسل إليها رسائل لم ترد حتى أصابني اليأس، فلم أجد بدًا من أن أنتظر، بعقل مسلوب وقلب مجروح.

حاولت النوم في تلك الليلة وأنا أضع هاتفها قرب أذني لعلها تتصل، فلقد كنت أحمل هاتفًا خاصًا بها فقط، فلا أسمع رنينه إلا منها، وفي ساعة متأخرة من الليل رن الهاتف، فأجبت مسرعًا وكان صوتها لا يزال كما هو مثقل بالحزن واليأس، ودار بيننا حديث ليس بالطويل وأيضًا ليس بالقصير، لقد كنت مصدومًا، وهي كانت يائسة حزينة، أخبرتها أني أحبها ويشرفني أن أتزوج منها، ولكن لا يمكنني ذلك الآن، فلا زلت أدرس بالجامعة، وأحتاج إلى سنوات حتى أنتهي من دراستي وأكون نفسي.

فكان ردها بأنها كذلك تبادلني الحب، وترغب في الارتباط بي، ولكنها ستضطر إلى أن تخوض مئات المعارك مع أسرتها كلما حصل وتقدم عريس لخطبتها، وهي ليست لديها القوة لذلك، وخاصة أنها رفضت كثيرًا منهم قبل ذلك، ثم قالت يا فلان بما أنني سأتزوج من غيرك، فأدعوا الله أن ييسر أمورك ويوفقك في دنياك وآخرتك، وهذا هو آخر عهدي بك، فلن أتصل بك أو أرسل لك بعد اليوم.

كانت كلماتها مثل الحلم بالنسبة لي، لكنني أجبتها متفهمًا موقفها، ودعوت لها، وعاهدتها على ألا أتصل بها أو أرسل لها بعد هذه الليلة.

أنهينا الاتصال؛ لكني كنت دائمًا أحدث نفسي بأنها لن تتمكن من الصمود وسترسل لي لتطمئن علي في أي وقت فانتظرت أن ترسل بعد أسبوع أو شهر أو سنة لكنها لم تفعل، فهي مختلفة في عهودها عن غيرها، مهما يكن لا تخلفها، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعيش على ذكرياتها، ولم أقابل فتاة تساوي نصف مستواها حتى الآن، فلقد عشت حلمًا جميلًا قرابة عامين، ثم اندثر وتلاشى، وفقها الله وسدد خطاها إلى طريق الخير.

(انتهت القصة)
إنالحب موجودٌ في الإسلام، لكنه إن لم يتوج بالزواج، فهو خراب ودمار؛ لذلك نصيحة لكل شاب إن لم تستطع:

أولًا: حفظ نفسك مما قد يجرها إلى الحرام بدعوى الحب، فحري بك أن تتركه.

ثانيًا: إن رأيت أن حبك لتلك الفتاة لن يتم تتويجه بزواج، فحري بك أن تتركه.

وأيضًا أيتها الفتيات .. احذري أي شاب، فلا تنخدعي بالكلام المعسول، فمن بين العشرة قد تجدين واحدًا صادقًا، وقد لا تجدينه، فحافظي على نفسك، وحافظي على قلبك حتى تعطيه من يستحقه.

وعلينا أن نتذكر أيها الشباب وأيتها الفتيات أن من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فلا تنجرفوا خلف ملذات الدنيا وسلموا قلوبكم لخالقها، فهو أعلم بكل ما يصلحها، واسألوا الله التوفيق دائمًا وأن يبعدكم عن الزلل والخطأ.