الرئيسية / قصص منوعه / وجدوه ميتاً تحت جذع شجرة حتى كادت الشجرة أن تبكي عليه

وجدوه ميتاً تحت جذع شجرة حتى كادت الشجرة أن تبكي عليه

وجدوه ميتاً تحت جذع شجرة حتى كادت الشجرة أن تبكي عليه


خرج مورفن في الليل الحالك شديد البرودة في شهر “كانون الثاني” بات الجوع ينهش لحمه حتى حال علي عظمه, تاركاً فتات خبز لصغاره وزوجته, التي اكتفت من الصراخ في وجهه أن صغاره سيموتون جوعاً, ولكن ما ذنب المسكين في ذلك, لقد نفذ صبره من العمل كمنظف للمراحيض في إحدي الشركات, حتى إشتكت منه إحدى زوجات مرؤوسيه بعد رؤيته أن ذاك العامل الحقير غير لائق مظهرياً لان يكون موجوداً في تلك المؤسسة’ وأنها تخشي علي زوجها من ربو العامل أن ينتقل الوباء اليه وطالبت بطرده!

أليس علي الأغنياء سد جوع الجائعين والجائعات ومساعدتهم!!

أم تتركهم حتى يحول الموت بينهم فينخر الدود في عظامهم! ظل يبحث بعدها عن عمل, كلما رآه أحد حسبه متسول فرمقه باحتقار, وكيف أن يحصل علي عمل, ورجال الأعمال لا يعمل عندهم إلا من هم لائقين مظهرياَ, خاليين من الربو والأمراض المزمنة!

مرت عليه تلك الليلة شديدة الرعب والترقب, تمزق قلبه خوفاً ليس علي نفسه بل علي زوجته وصغاره, أطلق ساقه للريح وذهب إلى أقرب مخبز طالباً من العامل أن يعطيه رغيفين لصغاره بدون مقابل, وكانت النتيجة أن طرده العامل وسخر من شكله حتي نال منه, ثم سولت له نفسه أن يسرق الرغيفين ويجري بهما وقد فعل!

وما لبث أن جري حتى وجد ذلك الرجل الأسمر بشاربه الكثيف يلاحقه وعلي كتفيه علامة “النجمة”, كان يجري بأقصى ما في وسعه ولكن جسمه النحيل وربوه لم يساعدانه علي ذلك كثيرا!

إلا أن أمسك به ذاك الشرطي فانهال عليه ضرباً , قائلاً بصوته الأجش: “أتسرق مخبزاً تابعا للدولة أيها المعتوه!”

مرت عليه دقائق وربما سنوات لم يدري كثيرا ماذا فعلوا به ربما مزقوه إرباً إرباً في لحظات’ لا يلقي لنفسه بالاً ولا يبالي.

وجد نفسه في حجرة مظلمة أشد من ظلمة الليل في كانون الثاني, لم تختلف كثيراً عن بيته’ رائحة العفن تدور من حوله في كل مكان, الربو يمزق صدره, 

“أخرجوني من هنا لا أستطيع التنفس” “صغاري يموتون جوعا”

“لم أسرق سوي رغيفين”!

آخرون يقرأون:  قصة مذكرات مرآة - مرآة تلتمس الرجوع للحياة.

لحظات مرت عليه والقضبان, رد عليه الجلاد بأقبح مما توقع ثم ختم بأن قال له: “سوف تندم علي خطيئتك أيها الحقير لتكون عبرة لكل من تسول له نفسه بأن يقترب من الممتلكات العسكرية”!

بكي ثم بكي, تهلل وتضرع, ربما تمني في تلك اللحظة لو قطعت يده قبل أن يسرق, أو لم يخلق اصلا من العدم, ثم أقر في نفسه أن القضاء عادل’ وأن الدولة لا تحارب سوي المخربين, وإن كان يشك في ذلك..!
تم عرضه علي القضاء بعد أسابيع كاد فيها أن يموت بسبب الروائح العفنة, والربو, وفي المحكمة كان متعلق بالقضبان كعصفور “يطالب بحريته” بعد أن حبسوه عن التحليق في قفص ضيق الأفق.

زوجته وصغاره يبكون أمامه يقر في نفسه’ يا للنساء اللعينات لم يعرفن سوي البكاء كحل للازمات!

جاءت حينها كلمة القاضي كسهم ينطلق من فمه, أن تم الحكم عليه “بثلاث سنوات” بسبب التعدي علي الممتلكات العامة.
“لا لا.. سيدي القاضي, إن قضائك عادل وأنا علي أتم العلم بذلك, أولادي كانوا يموتون جوعا, سامحنى سيدي!”
جاء كلامه كهباء منثورا في وادي صحراء جدباء لم يحرك القاضي ساكنا, مسكين’ لم يفهم بعد أن العدل لا يسود حياة البشر!
فرح من هم في قاعة المحكمة بذاك الحكم المُنصف ليكون هذا المجرم عبرةً لمن يعتبر! “نعم سيدي القاضي يستحق ذلك.”
اقتادوه إلى السجن العمومي قضي سنواته نوماً علي الأرض الجافة, تارة بين المجرمين وتارة بين الروائح الكريهة, ربما لم يتذكره أحد لزيارته يوماً, حتي زوجته وصغاره انقطعت أخبارهم عنه, حتى صار أجوفاً من الداخل ومات الشعور لديه بأي شئ…
بعد سنوات عدة خرج من السجن, لا يدري كيف مروا عليه, ذهب الى بيته الذي لا يعرف طريقاً غيره لم يجد أحد في الداخل سأل عن صغاره وزوجته الي أن دلوه علي مكان زوجته في أحدي الأحياء المرموقة, ما إن رأته حتى تصلب شعرها واقفاَ, لم تتوقع عودته’ بل لم تتوقع حياته مرة أخري!

سألها مورفن عن أحوالها وصغاره, ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير..

بأن زوجته تعمل في أحدي الملاهي الليلية التي يمتلكها أحد كبار رجال الأعمال في الدولة, لتتمكن من إطعام صغارها أما أطفاله فأصبحوا خادمين في قصر ذلك القاضي الذي حكم عليه بالسجن!

كيف ومتى لا يدري ذلك! أكُل هذا الشقاء بسبب رغيفين خبز؟

آخرون يقرأون:  قصة الصديقين خالد ومشعل

رأي في تلك اللحظه وجوه كالحة علي أكتافها من النجوم ما يكفي تنظر له بإذلال واحتقار, تمتد إليهم الأكُف فلا يلتفتون, وتتصاعد نحوهم الأصوات فلا يسمعون, أحس أنه توفي في تلك اللحظة وأنه يشيع جنازته علي كتفيه.. !
“في عالم يدوس فيه بعضهم بعضا, عالم يزداد قسوة لحظة بعد لحظة..”

وجدوه ميتاً تحت جذع شجرة حتى كادت الشجرة أن تبكي عليه..!!

اترك تعليقاً

error: Content is protected !!